jeudi 13 décembre 2007

ساركوزي يؤكد في 4 مناسبات من قسنطينة أن عبد العزيز بوتفليقة صديقه

إليكم الخطاب الكامل الذي ألقاه رئيس فرنسا ساركوزي يوم 5 ديسمبر بقسنطينة الجزائرية حيث خاطب عبدالعزيز بوتفليقة أمام الحضور وكرر في 3 مناسبات إسمه حتى يكون الخطاب خطابا ليتسامح ويتراضى فيه شعوب ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية
السيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، مع كامل الود والإعجاب والاحترام
أيها السيدات والسادة،
إنه لمن دواعي سروري أن أتوجه إليكم اليوم ومن خلالكم أن أتوجه إلى شباب الجزائر وشعبها.
إن أردت أن أخاطبكم من قسنطينة، فليس فقط لأنها كالكثير من المدن المتوسطية الأخرى وريثة تاريخ عريق يعود إلى آلاف السنين، مدينة امتزج فيها مصير كثير من الشعوب منذ العصور القديمة الأولى،
وإن رغبت في المجيء إلى هذه المدينة، التي مازالت تحمل اسم أول إمبراطور روماني اعتنق الديانة المسيحية، فليس لأنها رمز للهوية العربية الإسلامية للجزائر منذ زمن طويل وحسب،
بل قصدتها لأنه لا يمكن لأي وافدٍ إليها، مهما كان معتقده، أن يمنع نفسه عند بلوغها من الشعور بذلك الإحساس الديني الذي يغمر المرء لتواجده في أحد الأماكن المقدسة، حيث تبدو السماءُ قريبة والإيمان بديهي.
كم من زائر غمره نفس إحساس ذلك المسافر، في القرون الماضية، الذي عندما ظهرت له قسنطينة من خلال ضباب صباحي "بدت له وكأنها مدينة خيالية انبثقت من ظلام الليل، يرتفع بها نحو السماء طائران أبيضان"؟ إنها مدينة الإيمان.
كم من البشر ممن ينتمون إلى ديانات وثقافات وأصول مختلفة، قد انتابهم ذلك الشعور الذي أحسست به عند وصولي إلى هذه المدينة المعلقة فوق الأودية، بفضل سواعد انكبت على العمل والجهد وبالإرادة الصلبة، لتكون شاهداً على أن ما من شيء أقوى من الإرادة البشرية التي يغذيها إيمان حي؟ هذا حال مدينتكم قسنطينة.

رغبت أن أتوجه إليكم من هذا المكان، الذي هو ملك لكل البشر، لأنه يجسد روح المقاومة والفتوحات وروح تفان.
أردت أن أخاطبكم من هنا، في هذا المكان الذي تحاكي فيه الهوية الإسلامية وحضارتها البشرية جمعاء. ورغبت في التحدث إلى الشباب الجزائري لأنه يمسك بيديه بجزء من مصير حضارة عظيمة أمدت الإنسانية بالكثير من الحكمة والفن والثقافة والعلم، هذه الحضارة التي مازال الكثير من سكان العالم يتطلعون إليها. أيها الشباب الجزائري، جئت أقول لكم بأن بلدكم مدعاة للفخر، لأن الجزائر بلد عظيم. جئت أقول لكم بأنه من حقكم أن تعتزوا بإسلامكم، فالحضارة الإسلامية حضارة عظيمة.
جئت أقول لكم أن الشعب الفرنسي يكن لكم الحب والاحترام.
أيها الصديق عبد العزيز، إني مدرك لآلام الماضي والجراح التي خلّفتها المآسي التاريخية في روح الشعب الجزائري.
وفي هذه المدينة، في قسنطينة، لم يفوتني أن الجامعات تحمل أسماء مقاومين كبار كانوا أبطالاً للقضية الجزائرية.
فالحجارة هنا، في هذه المدينة التي لم يكن اختياري لها من باب الصدفة، لا تزال تذكر ذلك اليوم من عام 1837 الذي سقطت فيه قسنطينة، بعد أن قاومت الحصار بكل ما أوتيت به من قوة، فأضحى شعبها الحر والأبي، مضطراً للعزوف عن حريته.
كما وأن حجارة قسنطينة تذكر أيضاً ذلك اليوم الرهيب، بتاريخ 20 أ وت 1955، الذي أريقت فيه الدماء، فداءً لقضية بدت لكل واحد الأكثر عدالة والأكثر شرعية. فإن كان عام 1955 هو العام الذي شهد ولادتي، لست غافلاً لهذه المعركة ولتاريخ وقوعها.
إن موجة العنف والكراهية التي اجتاحت في ذلك اليوم قسنطينة ومنطقتها وقتلت الكثير من الأبرياء، كانت حصيلة ظلم مارسه النظام الاستعماري لأكثر من مئة عام بحق الشعب الجزائري.
فالظلم يضرم نار العنف والكراهية. وأود أن أفاتحكم بأن الكثيرين من أولئك الذي جاءوا إلى الجزائر واستقروا فيها، هم من أصحاب الإرادة الطيبة والنية الحسنة. جاءوا إلى الجزائر للعمل والبناء، دون أن تكون لديهم نية في استعباد أحد أو استغلاله. بيد أن النظام الاستعماري كان في طبيعته ظالماً ولم يكن في الإمكان سوى اعتباره مشروع استعباد واستغلال.
فمن جهة كما من الأخرى، وهذا من واجبي أقوله بصفتي رئيساً للجمهورية، كان هناك معاناة وآلام وأشجان. إن أحداً لم ينس قط هذه المعاناة والآلام والأشجان، لا في الجزائر ولا في فرنسا. ولن يفوتني أن أذكر أولئك الذي سقطوا ممسكين بسلاحهم من أجل أن يستعيد الشعب الجزائري حريته من جديد، ولا أولئك الأبرياء من ضحايا قمع أعمى وعنيف، ولا أولئك الذي قتلوا في الاعتداءات دون أن يمسّوا يوماً أحداً بسوء، ولا أولئك الذي تركوا خلفهم كل شيء مضطرين: تركوا حصاد العمر والأرض التي أحبوها وقبور آبائهم ومربع طفولتهم.
ولكن، يا شباب الجزائر، إن نظرنا معاُ، جزائريين وفرنسيين، نحو المستقبل، سنكون بذلك أوفياء لذكرى أمواتنا، أكانوا جزائريين أم فرنسيين. وإن مد كل منا يد الأخوة للآخر، سيعرف عندها الشعبان بأن كل تلك الأخطاء وكل تلك الجرائم والمآسي لم تذهب سداً بما أنها قد علمتنا كيف نكره الحرب ونتنكر للحقد. لم آت لكي أنكر الماضي، وإنما أتيت كي أقول لكم بأن المستقبل أكثر أهمية. إن المهم هو ما سوف ننجزه، وما سوف ننجزه سوياً لا يتوقف إلا علينا. إن المهم هو في كون الجزائر اليوم بلداً حراً وبلداً حديثاً. إن المهم هو ما تتقاسمه الجزائر وفرنسا من قيم وثقافة ومصالح مشتركة. إن المهم هو ارتباط مصيري البلدين ببعضهما البعض دوماً، فالجغرافيا والبحر والثقافة وإرث الأجيال تربط بين الجزائر وفرنسا؛ إن المهم هو مدى تعلق قلوب الفرنسيين بالجزائر، تعلقاً شديداً، وهو أن الكثير من الجزائريين لا يسعهم، في صميم وجدانهم، منع أنفسهم من اعتبار فرنسا بمثابة وطن ثان لهم. إن المهم هو كون الجزائر وفرنسا تتشاطران اللغة الفرنسية، وأن الكثير من الكتّاب والعلماء يعبرون بالفرنسية عن أعظم وأروع ما يحتويه الفن الجزائري وعن الحكمة الجزائرية وعن الفكر الجزائري. وأتمنى أن يكون هناك مزيداً من الفرنسيين ممن يشاطرونكم اللغة العربية، وهي اللغة المعبرة عن كم من القيم الحضارية والروحية. وسوف أنظم في عام 2008 مؤتمراً في فرنسا حول أسس تعليم اللغة العربية والثقافة العربية، ذلك لأن أبنائنا إن أتقنوا كل لغة الآخر واضطلعوا على ثقافته، سوف يتعلمون كيفية التعرف بالآخر وتفهمه، فتعدد اللغات والثقافات إنما هو ثروة يقتضي علينا الحفاظ عليها أياً كان الثمن. أصدقائي الأعزاء، أقول لكم، من صميم القلب، أن المهم ليس ما أُخذ البارحة وإنما المهم هو ما سوف يُمنح غداً؛ أن المهم ليست الإساءة التي ارتكبت وإنما الخير الذي سوف يرد، أن المهم ليس ما دُمر وإنما ما سوف يتم بنائه. هذه هي الرسالة التي باسم الجمهورية الفرنسية أردت أن أوصلها للشعب الجزائري وللشباب الجزائري. إن أخطاء وجرائم الماضي لا تغتفر. بيد أن حكم أطفالنا علينا مستقبلاُ سيرتبط بقدرتنا على نبذ التزمت والتعصب والعنصرية التي تمهد لحروب وجرائم الغد. وأقولها هنا في هذه المدينة التي كانت تسمى في الماضي بـ" أورشليم المغرب العربي"، لأن الجالية اليهودية فيها كانت أكبر الجاليات اليهودية في شمال أفريقيا، في هذه المدينة التي لا تزال تذكر بأن اليهود والمسلمين عاشوا معاً بسلام على مدى قرون من الزمن: إن معاداة السامية ليست فقط جريمة بحق اليهود ولكنها جريمة بحق كل البشر وكل الديانات، فليس هناك من قضية مهما كانت عادلة أن تبرر بنظري هذه الجريمة.
أٌقولها هنا، في قسنطينة المؤمنة، التي شكل التسامح رمزاً لعبقريتها على مدى قرون خلت: إن الأمر لا يتعلق فقط بإدانة العنصرية، ولا بالرد عليها بمثلها، حتماً، إنما بمحاربتها. سوف أحارب التمييز العنصري، أكان ضد العرب أم ضد اليهود، أم ضد البشرة السمراء أو البيضاء. فليس هناك من سبيل للتهاون مع مسألة العنصرية.
لن تتهاون فرنسا مع مشاعر الكره للإسلام، ولن تتهاون فرنسا مع معاداة السامية، ولن تتهاون فرنسا مع التعصب، ولن تتهاون فرنسا مع التزمت الديني، فهي لن تتهاون مع أي شكل من أشكال من أشكال التطرف ولا مع أي شكل من أشكال الإرهاب. فالجزائر، وهذا ما جئت لأقوله، ستجد فرنسا دوماً إلى جانبها كلما تعلق الأمر بمحاربة الإرهاب والتطرف والتزمت الديني وكره الإسلام. ولكن إن أردنا أن ننتصر يوماً على مشاعر الكره للإسلام ومعاداة السامية والعنصرية والتعصب، وإن عزمنا على إحباط الإرهاب، ينبغي علينا ألا نتهاون أيضاً مع العدل. أني مدرك بأن هذه الكلمة لها أهميتها هنا في الجزائر. فمن مشاعر الغبن يستمد الإرهابيون قوتهم بمعظمها. فحرمان الفلسطينيين من وطن لإقامة دولتهم، هو غبن لن ترضى به فرنسا. كما وأن عدم الإقرار بحق إسرائيل في حياة آمنة هو غبن، ومنع المؤمنين من ممارسة الشعائر الدينية ورفض حرية المعتقد وحرية العقيدة، هو ظلم.
إن التعصب والتزمت الديني لا تتم محاربتهما من خلال محاربة الديانة، بل من خلال التشجيع على الانفتاح والسماحة في الدين.
لا أظن بأن الديانات الكبرى تشكل تهديداً للسلم. ولا أعتقد أنها تشكل عائقاً أمام التقدم ولا عاملاً للتعتيم المتحجر. بل يبدو لي أن العكس صحيح. أعتقد أن الشعور الديني هو شعور نبيل. وعندما أنظر إلى مساجدكم وكتدرائياتنا أرى ما يمكن أن ينجزه الإيمان من جمال وعظمة، وأقول لنفسي بأن ما يمكننا إنجازه سوياً كمسلمين وكمسيحيين وكيهود من شأنه أن يكون أجمل وأعظم.

أفكر بقبة كاتدرائية "سيدة أفريقيا" في مدينة الجزائر والذي كتب عليها: "يا سيدة افريقيا صلي لأجلنا مسيحيين ومسلمين".
وأفكر بوصية الأب كريستيان المؤثرة جداً، وهو الذي كان المشرف على دير تبحرين، يتوجه فيها ببصيرته إلى قاتله: "وأنت أيضاً، يا صديق الدقيقة الأخيرة يا من لم تعي ما كنت تفعله (...) ليُكتب لنا أن نلتقي كصديقين سعيدين في الفردوس. إن شاء الله، أبانا نحن الاثنين!" وينهي الأب كريستيان حديثه قائلاً: "آمين! إن شاء الله!" ففي ذلك اليوم كان الأب كريستيان مفخرة للجزائر ولفرنسا وللإيمان الأممي في عالم المؤمنين. وأفكر بالأمير عبد القادر، وهو دون شك أروع وأنبل شخصية في التاريخ الجزائري، ويستدعيني إيمانه النير وإسلامه الصادق والأصيل، المتميز بقدر كبير من الانفتاح والإنسانية.
أفكر بهذا البطل الذي قاتل حتى خارت قواه من أجل استقلال الجزائر، ومن ثم أنقذ في دمشق عام 1860 الكثير من أرواح المسيحيين من مجزرة، ليس لكونهم مسيحيين بل لأنهم أرواح بشرية، يملي عليه إسلامه وإيمانه واجب إنقاذ الحياة البشرية. هذه هي رسالة الإسلام التي لا بد من أن تحملوها في الجزائر كما في خارجها. وأفكر أيضاً، أنا رئيس الجمهورية الفرنسية، برزانة رجل الثقافة والإيمان هذا، الذي دأب على مراسلة أسقف الجزائر والذي اهتم بالأخوة الماسونية والذي أراد أن يدفن إلى جانب محي الدين ابن عربي، ذلك العلامة المسلم الحكيم، الذي كان يعتبر نفسه من اتباعه، والذي قال: "أدين بدين الحب، فالحب ديني وإيماني". فالإرهابيون يدنسون إسلاماً يجهلون كل شيء عنه.
إلى جزائر التسامح والحب اللذان يسبغان عليها أجمل الوجوه أريد أن أتوجه اليوم.
إن غصنا، نحن المسيحيون والمسلمون واليهود، فيما هو في أعماقنا وفي عمق تقاليدنا ومعتقداتنا وثقافاتنا التي ورثناها عن أسلافنا، فسنجد، بغض النظر عن كل ما يفرقنا وعن كل ما نختلف بشأنه، أن أجمل وأعظم ما أنجزناه إنما هو منبعث عن القيم ذاتها والفكر ذاته والمثالية ذاتها. فمن خلال توجهي اليوم إلى الشبيبة الجزائرية، أتوجه إلى شبيبة بلادي التي طالما وجدت نفسها في إسلام منفتح، إنساني النزعة، إسلام نير مضيء.
ومن خلال توجهي اليوم إلى الشبيبة الجزائرية، أتوجه إلى مئات الملايين من المسلمين في العالم، الذين يعتبرون أنفسهم ورثة إسلام عرف دوماً كي يحاكي الإيمان والمنطق.

أتحدث من هنا من قسنطينة راغباً في توجيه كلامي إلى مئات الملايين من المسلمين في العالم، هؤلاء الذين ليسوا فقط أبناء ابن العرابي، ولكن أيضاً أولاد أفلاطون, وأرسطو والقديس أغسطين، الذين لا صلة لهم بالتعصب أو بالتزمت الديني. ما لا أريده هو الخلط بين الإسلام والإرهابيين. ما لا أريده هو الخلط بين المسلمين والمتعصبين. كان لا بد من قول هذا الكلام من هنا، من قسنطينة.
فباسم فرنسا العلمانية وباسم مبادئها الجمهورية، أود أن أقول لهم، لمئات الملايين من المسلمين في العالم، بأن إيمانهم وقيم الحضارة التي ائتمنوا عليها من شأنها أن تمثل فرصة للعالم.
ما أود قوله، هو أن عليهم أن يكافحوا من أجل أن يبينوا ماهية نظرتهم إلى إيمانهم وإلى قيمهم. وما أود قوله أيضاً هو أن فرنسا تحبهم، وبأن فرنسا تحترمهم، وبأنها في كفاحهم هذا سوف تقف إلى جانبهم، لأن الكفاح من أجل إسلام منفتح، إسلام نير مضيء، هو كفاح لكل البشر، للبشرية جمعاء.
لم آتي إليكم كي أكيل المديح من جديد لحوار فرضي بين الحضارات والثقافات والديانات، فلم يعد الأمر يتعلق بالحوار وحسب بل بالبناء سويّة، وعلى الفور، مع بعضنا البعض .
إن النظر إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها بعض أقطار حوض البحر الأبيض المتوسط، وإلى الصراعات التي تمزقه، والتفاوت المجحف الكبير والفقر المدقع السائد غالباً فيه، وبمعاينة عودة العنف البدائي، كما تظهرها لنا الأخبار يومياً، من خلال جميع أشكال التعصب الديني والإرهاب، يجعلني أتساءل إن لم نكن أفرطنا في الحديث في العقود الأخيرة من دون أن نعمل فعلياً بما فيه الكفاية.
ومن الممكن التساؤل إن لم تكن الفرصة قد حانت أخيراً كي نبحث في أعماقنا عما يشكل الوحدة الفكرية والأخلاقية والدينية للعالم المتوسطي، الذي مزقته على مدى قرون عديدة الكثير من الحروب الصليبية، وحروب مقدسة مزعومة، ومشروعات استعمارية. فلنطوي الصفحة. لقد آن الأوان.
نظراً لحالة العالم الراهنة حيث هناك قوى مادية وبشرية ذات قدرات هائلة تعمل فيه، ينبغي أن نقنع بعضنا البعض أنه قد بات حيوياً إيلاء أهمية أكبر لما يجمعنا والكف عن الحديث عما يفرقنا.
علينا أن نتعلم من جديد العيش مع التنوع وذلك باسم ما يجمع بيننا. فكلمة تنوع لا تخيفني، لأن التنوع جميل. ومنطقة المتوسط لن تبلغ مركزاً ريادياً في الحضارة العالمية إلا عندما يختلط فيها الناس وتمتزج فيها الأفكار.

لم تكن الحضارة المتوسطية يوماً عظيمة إلا من خلال التبادل والاختلاط، بل واسمح لنفسي القول بأن الحضارة المتوسطية لم تكن يوماً على قدر من العظمة لولا التمازج والتهجين. فبدون ذلك لن تتمكن هذه الحضارة غداً من مقاومة التسطح المبرمج للعالم. وكذلك لن تتجنب خطر صدام الحضارات وحروباً جديدة تنشب بين الأديان. كما وأنها لن تمنع الكارثة البيئية الفادحة التي تهددنا، على غير هذا النحو.
أردت أن يعترف بالتنوع في فرنسا من خلال تنظيم الإسلام الفرنسي. وهنا أوجه تحية لدليل بوبكر، وينبغي أن نقر بالتنوع في كل مكان كقيمة حضارية ومبدأ سياسي أساسي يساوي الديمقراطية أهمية.
فباسم التنوع ينبغي للبنان أن يحيا حراً ومستقلاً، خالياً من التأثيرات الخارجية.
وباسم التنوع ينبغي مكافحة الأصولية والتزمت دون هوادة. فشعب الجزائر قد أظهر بسالة خلال حقبة التسعينيات، وكان فعلاً وحيداً. فهؤلاء الذين أصدروا أحكاماً بحقكم يجدون نفسهم اليوم مخطئين أمام محكمة التاريخ، فلو لم تحاربوا في التسعينيات، أين كنا سنجد أنفسنا، ولم نكن لنصل إلى ما وصلنا إليه، لأضحي اليوم قادراً على المجيء لقسنطينة والإدلاء بما أرغب بقوله.
إن التنوع والتبادل والتمازج والانفتاح على الآخر، هي المبادئ التي ينبغي أن يتأسس عليها الاتحاد المتوسطي. هذه هي المبادئ التي ينبغي للدول المتوسطية أن تتفاهم عليها من أجل بناء مستقبل مشترك، لا يكون فقط مستقبلاً تختاره لنا الأقدار والأحداث.
يشكك المشككون في نجاح مثل هذه العملية، والله أعلم بأنهم كثر يا صديقي عبد العزيز. ويعتقد المشككون بأن الاختلافات والتصدعات سحيقة جداً. فكثيراً ما كانوا يفهمونني بأن "الذهاب إلى الجزائر ليس بالأمر اليسير"، ولكن لم أفهم لماذا؟ فهي على بعد ساعتين ونصف من الطيران.
وأنا أطرح على نفسي هذا السؤال: "أليس من الممكن لنا أن نحقق ما حققه في الماضي العلماء المسلمون الكبار الذين نقلوا إلى الغرب التراث اليوناني بعد أن أنقذوه من الدمار؟ لقد كان النجاح حليفهم، فلما لا يكون حليفنا أيضاً؟
أليس من الممكن أن تتكرر المعجزة الأندلسية الخارقة ومعجزة قرطبة وغرناطة؟ هل كانوا على درجة أكبر من الذكاء أو أكثر شجاعة منا؟

لما قد يكون التنوع، الذي بقي على مدى الأزمان مرتعه قسنطينة والإسكندرية وبيروت، قد أصبح مستحيلاً؟ هل نختلف كثيراً عمن سبقونا؟ لقد تميزوا بالانفتاح، وقد نكون نحن قد أضحينا منغلقين. ولكن، في زمن يسهل فيه التنقل والتواصل أكثر من أي وقت مضى، ألن يكون بوسعنا أن نحقق غداً ما كانوا قد حققوه منذ زمن بعيد؟
لما تصبح الديانات السماوية الثلاث الداعية إلى الحب وليس إلى الكراهية غير قادرة على العيش معاً بسلام؟ ليس لدي النية بالقبول بأن تفرض علينا شعب المتعصبين في العالم منهجها وأجندتها.
لماذا لا تكون حكمة الأمير عبد القادر في متناول المؤمنين في زماننا هذا؟ ولماذا قد يرضى المؤمنون في أيامنا هذه البقاء عرضة للتلاعب؟
لماذا لا تدفع وصية الأب كريستيان، التي أودعها هنا على أرض الجزائر، بالبشر ذوي الإرادة الطيبة إلى تفضيل العفو على الانتقام؟
لما يكون السلام والأخوة أكثر صعوبة اليوم بين شعوب المتوسط مما كانت عليه الحال بعد الحرب العالمية الثانية بين الشعوب الأوروبية؟ هل لأننا باعتقادكم قد قدنا حروباً أقل في أوروبا نسبة للمتوسط؟ لقد حاربنا بعضنا البعض في أوروبا خلال قرون من الزمن وقد كانت حروباً طاحنة مروعة، وعلى الرغم من ذلك عفونا عن بعضنا البعض.
إنني مدرك أن الاتحاد المتوسطي يمثل تحد ورهان. رهان تفرضه الأفكار المثالية ويفرضه العقل. رهان لايزيد ولايقلّ عقلانية عن رهان أوروبا قبل ستين عام. إني أراهن على التفاهم والاحترام والتضامن والمودة، وأفضل هذا النوع من الرهان على غيره من الرهانات القائمة على الانتقام وسؤ التفاهم والحقد والهمجية.
هذا هو الرهان الذي جاءت فرنسا تقترحه على الجزائر. وهذا الرهان سوف تكسبانه معاً.
كما عرضت فرنسا على ألمانيا في الماضي بناء الاتحاد الأوربي استناداً إلى الصداقة الفرنسية الألمانية، فإنها جاءت اليوم لتعرض على الجزائر بناء الاتحاد المتوسطي استناداً إلى الصداقة الفرنسية الجزائرية.
كان هناك الكثير من الآلام التي ينبغي تجاوزها، ولذلك اكتسب ما فعله المستشار أدناور والجنرال ديغول أهمية كبيرة بالنسبة لأوروبا.
ولأن هناك الكثير من الآلام التي ينبغي تجاوزها، سيكون لما ستفعله الجزائر وفرنسا معاً أهمية بالغة بشأن مستقبل المتوسط.

تعلمون بأنني قد تربيت بكنف جدي، الذي كان يكره الألمان. وفي بيتنا، لم نكن نذكرهم بالاسم، بل بألقاب أخرى. هكذا ترعرعت. ولما تحدث الجنرال ديغول لأدناور عن ضرورة العفو وعن وجوب التطلع نحو المستقبل، اتبع جدي، الذي عرف الخوف والعذاب، رجال الدولة الذين اقترحوا السلام بدلاً من الانتقام.
وعليه أريدكم أن تصدقوا بأنني لست أبداً ممن يتجاهلون الآلام والمعاناة والمآسي التي عرفها شعبكم، ولكنني أقول لكم التالي: إن ما تيسر لنا فعله في أوروبا سيكون من الممكن لنا أن نفعله في منطقة المتوسط.
وهذه الصداقة بين شعبينا، لا يمكن إلا أن ترتكز على الثقة.
يتعين على الجزائر وفرنسا أن يثقا ببعضهما البعض. أنه لقول عسير، ولا أتجاهل أي شيء مما هو حاصل، ولكن لا بد من أن نثق ببعضنا.
إن اتفاق التعاون النووي لأغراض مدنية الذي أبرم بين بلدينا هو علامة ثقة دامغة من جانب فرنسا تجاه الجزائر.
وأقول هذا باسم فرنسا، فالتبادل النووي المدني سيمثل أحد المرتكزات لمعاهدة الثقة التي يتعين على الغرب أن يبنيها مع العالم الإسلامي.
وبما أن الجزائر وفرنسا قد اختارتا الثقة المتبادلة، فلقد اتفقتا على التفكير بالنحو الذي يجب أن يتم عليه تنفيذ سياسة جديدة للهجرة نقوم بإقرارها سوياً. لا بد من التطرق للمسائل المزعجة. فهذه هي الوسيلة الوحيدة لتخطي سوء الفهم والخلافات. وبما أن الجزائر وفرنسا تتبادلا الثقة، سيتسنى لشباب البلدين الذهاب للدراسة بسهولة أكبر أينما شاءوا، وسيتسنى لهؤلاء الذين يودون الذهاب لزيارة عائلاتهم أن يفعلوا بشكل أفضل، وسيتسنى لأصحاب الشركات ولرجال الأعمال وللباحثين التنقل بحرية أكبر، ولكن ذلك من شأنه أن يتيح لنا أيضاً أن نكافح سوياً الهجرة السرية، وأن نحدد معاً الحوافز التي يقتضي وضعها من أجل تشجيع النخبة من بين الطلبة الجزائريين، الذين يتابعون دراستهم في المدارس والجامعات الفرنسية، للعودة إلى الجزائر، فهي بحاجة لمؤهلات وفطنة وحيوية وخيال هذه النخبة الشابة.
ولكن الصداقة، سوف يتكفل الشباب بإحيائها.
وباستطاعة حكام البلدين أن يجعلوا من هذه الصداقة مبدأً يسيروا عليهم سياساتهم ولكن في نهاية المطاف، ستكون هذه الصداقة من صنيع
الشباب الجزائري والشباب الفرنسي.
traduction:
Mais l'amitié, c'est la jeunesse qui la fera vivre.
Cette amitié, Abdelaziz, les gouvernants peuvent en faire le principe de leurs politiques mais, en fin de compte, cette amitié sera l'œuvre de la jeunesse algérienne et de la jeunesse française.
Notez que la traduction arabe a sauté "Abdelaziz" !!

حبذا لو أنهم، على غرار الشباب الفرنسي والشباب الألماني، عندما تعلق الأمر بالتطلع إلى المستقبل بعد حالة عداء طويلة جداً عاشها بلدانا العريقان، حبذا لو أنهم يتقاربون ويتعارفون ويوثقون العرى بشكل أكبر. إن الشباب في بلدينا يتشاركون في هم ملح يثير قلقهم ويتعلق بمستقبلهم. أتمنى أن نجيب معاً، ولو جزئياً، على تساؤلاتهم. لذلك اقترحت على الرئيس بوتفليقة التفكير في إنشاء جامعة فرنسية جزائرية مشتركة. فهذا هو أيضاً الهدف من إقامة مجمعات الامتياز المشتركة المؤلفة من جامعيين وباحثين وفنيين من بلدينا، سننشئها في ميدان الطب والميكروبيولوجيا والمياه والطاقات المتجددة أو المخاطر الكبرى...
وستقدم فرنسا مساعدتها في عملية إصلاح مدارس الهندسة التي ستنفذها الحكومة الجزائرية. وستستمر بوجه خاص في استقبال عدد كبير من الطلاب الجزائريين في مدارسها وجامعاتها. وربما الأهم قد يكمن في توثيق الروابط بين شباب البلدين بحيث يتسنى لنا يوماً إنشاء مؤسسة فرنسية جزائرية مشتركة للشباب. من شأن مؤسسة كهذه أن تسهّل تبادل التلاميذ والطلبة والرياضيين وأن تنظم لقاءات ونشاطات تجمعهم.ومن شأنها أيضاً أن تشكل بنية تمهيدية لمؤسسات أخرى، من نفس النوع، حول البحر الأبيض المتوسط أو ربما لمؤسسة متوسطية للشباب يمكنها أن تستلهم مما أصبح قائماً بين الدول الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي، من خلال برنامج "إراسموس". أيها الشباب الجزائري، يختلط بلدانا ببعضهما البعض منذ زمن طويل، ومنذ زمن طويل لم يعودا بلدين غريبين عن بعضهما البعض. الكثيرون من بينكم يتعلمون الفرنسية ويحلمون بالقدوم إلى فرنسا. وفي الجزائر، لا يزال هناك 28000 من المحاربين القدامى، الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية وقاتلوا فيها من أجل تحرير فرنسا، وستبقى فرنسا مدينة لهم إلى الأبد. لن تنسى فرنسا قط ما فعلوه الجزائريين من أجل تحريرها.
ولمعظم الجزائريين أفراداً من عائلاتهم يعيشون في فرنسا.
وهناك في فرنسا حوالي مليون جزائري مسجلين رسمياً وأكثر من النصف لديهم جنسية مزدوجة. وهناك مئات الآلاف من الفرنسيين الذين ولدوا في الجزائر. إن هذا التشابك بين شعبينا يفرض علينا واجباً، إنه واجب التضامن الذي بات يتعزز أكثر فأكثر. ينبغي إعادة تأسيس هذا التضامن بالاستناد إلى الصداقة والثقة. وفرنسا، عليها من جهتها إعادة تقييم النموذج الخاص بها للاندماج.

والجزائر، عليها هي أيضاً أن تقرر ما تريد أن تفعله مع فرنسا وكيفية القيام بذلك. إن كل من بلدينا معني باحترام ذاكرة الآخر وبالنظر نحو المستقبل، دون نسيان أي شيء. إن كل من بلدينا معني بالترويج لأفضل ما عنده وللجانب الأكثر انفتاحاً والأكثر إنسانية والأكثر تسامحاً، دون التنازل عما هو في الأصل. على أثر الكثير من المواربات والحيل التاريخية، تجد كل من الجزائر وفرنسا نفسها في مواجهة التحدي ذاته في آن معاً، فالاثنان بحاجة لنهضة جديدة، مثل حاجتهما لوضع سياسة لحضارة لا تكتفي بتطورات مادية وحسب، بل يتمخض عنها قيم وهوية ويتولد معها الأمل، فتقوم بإنتاج نوعي وليس كمي فقط. أريد أن أطلق من هنا من قسنطينة نداءاً عاجلاً إلى الغرب لكي ينئ بنفسه عن كل نية بالسيطرة وليكف عن الاعتقاد بأنه يمثل وحده الحضارة العالمية. وأطلق نفس النداء الملح إلى كل الذين يجدون أنفسهم منسجمين في إسلام تقدمي، كي يدافعوا عن المساواة بين الرجل والمرأة وعن حقوق الإنسان وعن احترام التنوع، لأن هذه المبادئ والقيم هي من صميمه أيضاً. وأطلق نداءاً إلى هذا الاسلام التقدمي كي يعترف لشعب اسرائيل الذي عانى الكثير بحقه في الحياة بحرية. وأطلق نداءاً إلى شعب إسرائيل كي لا يمارس بحق الشعب الفلسطيني نفس الظلم الذي عانى هو منه لقرون طويلة. وأطلق نداءاً إلى قادة الشعب الإسرائيلي والشعب الفلسطيني لكي يستفيدوا من فرصة السلام التي تبدو اليوم في متناول أيديهم، إن عرفوا كيف يظهرون قدرة على تجاوز الكراهية التي تتغذى من ذكرى مآسي كل منهما. وأطلق نداءاً إلى كل شعوب المتوسط كي تتوحد وتضع في وحدتها هذه كل طاقاتها وقواها بدل من استخدامها في التحارب والتباغض. فليس هناك من مستقبل في ظل الضغينة. أما أنتم، يا شباب الجزائر، فإني أوجه لكم نداءً قائماً على الصداقة والثقة. اجعلوا من هذا الحلم المتوسطي الكبير للأخوة حلماً لكم، إنه حلم ينتظر منذ عدة قرون كي يصنعه شباب متحمس مثلكم، وإنكم بذكائكم وحيويتكم وخيالكم ستغيرون العالم.
عاشت الجزائر
!عاشت فرنسا!